Search
Close this search box.

أسباب نزول سورة التوبة

أسباب نزول سورة التوبة

سورة التوبة

تعد سورة التوبة من السور المدنية المهمة في القرآن الكريم، وقد نزلت في مرحلة متقدمة من الدعوة الإسلامية، وكشفت كثيرا من مواقف المشركين والمنافقين، وبيّنت أحكام التعامل مع العهود والمواثيق، كما تناولت أحداثًا ارتبطت بغزوة تبوك وما رافقها من ظروف سياسية وعسكرية واجتماعية.

وتعرف سورة التوبة أيضًا باسم سورة براءة، وسميت بهذا الاسم لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وهي السورة التاسعة في ترتيب المصحف، وعدد آياتها 129 آية.

ما سبب نزول سورة التوبة؟

أسباب نزول سورة التوبة

لم تنزل سورة التوبة كلها بسبب حادثة واحدة، بل نزلت آياتها في مناسبات وأحداث متعددة، وكان معظم سياقها مرتبطا بالمرحلة التي أعقبت فتح مكة، وبالأخص غزوة تبوك، وعلاقة المسلمين بالمشركين وأهل العهود، ومواقف المنافقين من الدولة الإسلامية.

ومن أبرز الأسباب والظروف التي نزلت فيها السورة:

  1. نقض بعض المشركين للعهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين المسلمين.
  2. إعلان انتهاء بعض العهود مع المشركين الذين خانوا ونقضوا المواثيق.
  3. تنظيم العلاقة مع المشركين بعد أن أصبحت للمسلمين قوة ومنعة في الجزيرة العربية.
  4. إعلان منع المشركين من دخول المسجد الحرام بعد عامهم ذلك.
  5. كشف مواقف المنافقين وفضح نفاقهم، ولا سيما خلال غزوة تبوك.
  6. معالجة قضية المتخلفين عن غزوة تبوك وبيان أحوال الصادقين والمعتذرين والكاذبين.
  7. بيان توبة بعض المسلمين الذين تخلفوا عن الغزوة ثم اعترفوا بذنوبهم وتابوا إلى الله.

وقد ذكر المفسرون أن أول السورة ارتبط بإعلان البراءة من العهود العامة التي نقضها المشركون، بينما تضمنت بقية السورة أحكاما وأحداثا أخرى، ولذلك لا يصح اختزال سبب نزول السورة كلها في حادثة واحدة.

نزول سورة التوبة وعلاقتها بغزوة تبوك

ارتبط جانب كبير من سورة التوبة بغزوة تبوك، وهي آخر غزوات النبي محمد ﷺ، وقد وقعت في السنة التاسعة للهجرة.

كانت غزوة تبوك في ظروف شديدة الصعوبة؛ فقد كان الجو شديد الحرارة، والمسافة بعيدة، والمؤن قليلة، ولذلك عُرفت هذه الفترة باسم ساعة العسرة.

وفي هذه الظروف ظهر صدق المؤمنين من جهة، وظهر تردد المنافقين وتخلفهم من جهة أخرى. وقد تناولت السورة مواقف هؤلاء المتخلفين، وكشفت أعذار المنافقين ومواقفهم، كما أثنت على المؤمنين الذين خرجوا مع النبي ﷺ رغم المشقة.

قال تعالى:

﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾

وقد ذكر ابن كثير أن هذه الآية نزلت في سياق غزوة تبوك، حين خرج المسلمون في شدة من الحر والجوع والعطش وقلة الزاد.

سبب نزول أول سورة التوبة

افتتحت السورة بقوله تعالى:

﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

وجاء هذا الإعلان في سياق العهود التي كانت بين المسلمين والمشركين، بعدما نقض بعض المشركين عهودهم ومواثيقهم.

وذكر الواحدي في تفسيره أن المشركين أخذوا ينقضون العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ، فأمر الله تعالى بنبذ عهود من نقضوا العهد.

كما يوضح الطبري أن السورة نزلت في شأن العهد الذي كان بين رسول الله ﷺ والمشركين، وأنها تضمنت تحديد المدة التي يُمهل فيها أصحاب العهود، مع التفريق بين من حافظ على عهده ومن نقضه.

وهذا يوضح أن المقصود لم يكن نقض جميع العهود بصورة مطلقة، وإنما التعامل مع العهود وفق ما وقع من أصحابها من وفاء أو خيانة ونقض.

إعلان البراءة من المشركين

كان من أبرز الأحداث المرتبطة بنزول صدر سورة التوبة أن النبي ﷺ بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميرًا على الحج في السنة التاسعة للهجرة، ثم أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليبلّغ الناس آيات سورة براءة.

وكان من المقاصد المعلنة إنهاء بعض العهود وإبلاغ المشركين بالأحكام الجديدة المتعلقة بالمسجد الحرام والحج والعهود.

وقد ذكر ابن كثير أن أول السورة نزل عندما رجع النبي ﷺ من غزوة تبوك، وأنه بعث أبا بكر ليقيم للناس مناسك الحج، ثم أرسل عليًا رضي الله عنه ليقرأ على الناس سورة براءة ويعلن ما فيها من أحكام.

لماذا نزلت آيات سورة التوبة في شأن المنافقين؟

من أبرز خصائص سورة التوبة أنها كشفت أحوال المنافقين ومواقفهم الخفية.

فقد أظهر بعض المنافقين الإسلام، لكنهم كانوا يتخلفون عن الجهاد، ويعتذرون بأعذار واهية، ويحاولون تثبيط المؤمنين عن الخروج مع النبي ﷺ.

وقد ظهر ذلك بوضوح خلال غزوة تبوك، حيث كشفت شدة الظروف حقيقة بعض النفوس.

قال تعالى:

﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾

وبيّن ابن كثير أن الآية جاءت في سياق توبيخ الذين تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، بعدما اعتذر بعضهم بأعذار لم تكن صحيحة.

ولهذا سُمّيت سورة التوبة أيضًا الفاضحة؛ لأنها كشفت أحوال المنافقين وذكرت شيئًا من أسرارهم ومواقفهم.

سبب نزول آيات المتخلفين عن غزوة تبوك

لم تقتصر السورة على كشف المنافقين، بل تناولت أيضًا حال بعض المؤمنين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ثم ندموا واعترفوا بتقصيرهم.

ومن أشهر القصص التي وردت في هذا السياق قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا، وهم الذين لم يكونوا من المنافقين، لكنهم تخلفوا عن الغزوة من غير عذر، ثم صدقوا في اعترافهم وندموا على ما فعلوا.

قال تعالى:

﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

وتبين هذه الآيات أن السورة لم تكن مجرد سورة وعيد، بل حملت كذلك معنى التوبة والرحمة وفتح باب الرجوع إلى الله.

سبب نزول قوله تعالى: «وآخرون اعترفوا بذنوبهم»

من الآيات المرتبطة بأحداث تبوك قوله تعالى:

﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

وقد وردت روايات عن ابن عباس وغيره في أن هذه الآيات نزلت في عدد من الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ثم اعترفوا بذنبهم وندموا على تخلفهم.

وتذكر الروايات أن سبعة منهم ربطوا أنفسهم بسواري المسجد حتى يقبل الله توبتهم، فنزلت الآيات التي بشرتهم بالتوبة.

سبب منع المشركين من المسجد الحرام

تناولت سورة التوبة كذلك قضية وجود المشركين في المسجد الحرام، فقال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا﴾

وجاء هذا الحكم ضمن التحولات التي شهدتها الجزيرة العربية بعد فتح مكة، حيث أصبح للمسلمين نفوذ قوي، ونظمت السورة العلاقة الدينية والسياسية مع المشركين.

وقد ورد في تفسير الطبري أن المسلمين شق عليهم في البداية ترك ما كانوا يحصلون عليه من تجارة المشركين بعد منعهم من دخول المسجد الحرام، فبيّن الله لهم أنه سيغنيهم من فضله.

سورة التوبة – ضاري ابراهيم العاصي الدوري

لماذا لم تبدأ سورة التوبة بالبسملة؟

من الأسئلة الشائعة المرتبطة بسورة التوبة: لماذا لا توجد البسملة في أول سورة التوبة؟

سورة التوبة هي السورة الوحيدة في المصحف التي لا تبدأ بعبارة «بسم الله الرحمن الرحيم».

وقد ورد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه في الحديث المشهور أن سورة الأنفال وسورة براءة كانتا متشابهتين في الموضوع، وأن النبي ﷺ توفي ولم يبيّن للصحابة هل براءة جزء من الأنفال أم سورة مستقلة، ولذلك قرن عثمان بينهما في المصحف ولم يكتب بينهما البسملة.

كما ذكر المفسرون أقوالًا أخرى في الحكمة من عدم كتابة البسملة، منها ارتباط بداية السورة بإعلان البراءة ونقض بعض العهود.

أهم الموضوعات التي تناولتها سورة التوبة

تضمنت سورة التوبة مجموعة واسعة من الموضوعات، ومن أبرزها:

  • بيان موقف الإسلام من العهود والمواثيق.
  • إعلان البراءة من المشركين الذين نقضوا عهودهم.
  • تنظيم العلاقة مع أهل العهود.
  • منع المشركين من دخول المسجد الحرام وفق الحكم الوارد في السورة.
  • الحديث عن غزوة تبوك.
  • كشف صفات المنافقين ومواقفهم.
  • التحذير من التخلف عن نصرة الدين بغير عذر.
  • بيان فضل المؤمنين الصادقين.
  • الحديث عن توبة بعض المتخلفين عن غزوة تبوك.
  • الدعوة إلى الصدق والإخلاص.
  • بيان أهمية الإنفاق في سبيل الله.
  • التحذير من موالاة أعداء الدين على حساب جماعة المؤمنين.
  • التأكيد على رحمة الله وقبول التوبة.

ما الدروس المستفادة من أسباب نزول سورة التوبة؟

تكشف أسباب نزول سورة التوبة عددًا من المعاني المهمة، ومن أبرزها أن الوفاء بالعهود أصلٌ مهم، وأن التعامل مع من ينقض العهد يختلف عن التعامل مع من يلتزم به.

كما توضح السورة أن المواقف الصعبة تكشف حقيقة الإنسان؛ فقد أظهرت غزوة تبوك صدق المؤمنين، وكشفت أعذار المنافقين، وفي الوقت نفسه فتحت باب التوبة أمام من أخطأ ثم اعترف بخطئه ورجع إلى الله.

ومن أهم الدروس أيضًا أن التوبة الصادقة ممكنة مهما كان الذنب، وأن الاعتراف بالخطأ والندم والرجوع إلى الله من أسباب نيل رحمته.

الخلاصة

يمكن القول إن أسباب نزول سورة التوبة ارتبطت بمجموعة من الأحداث التي وقعت في أواخر العهد النبوي، وكان من أبرزها نقض بعض المشركين للعهود، وتنظيم العلاقة معهم، وأحداث غزوة تبوك وما ظهر خلالها من مواقف المنافقين والمتخلفين.

ولذلك نزلت السورة في سياقات متعددة، ولم يكن لها سبب نزول واحد يشمل جميع آياتها. فقد تناولت في بدايتها قضية العهود والبراءة من المشركين، ثم عالجت قضايا أخرى، أبرزها المنافقون، وغزوة تبوك، وتوبة بعض المتخلفين، وأحكام التعامل مع المشركين.

وتبقى سورة التوبة من السور التي تجمع بين التحذير والوعيد، وكشف النفاق، والتوبة والرحمة، وهو ما يجعل فهم أسباب نزولها مفتاحًا مهمًا لفهم كثير من آياتها ومقاصدها.

اقرا ايضا: اسباب نزول سورة ياسين

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest